فِي يَومٍ هادِئٍ ، سَمعتُ
صَوتَ نَهيقٍ فِي الجِوارِ ،
فَنظَرتُ مِن نَافِذَة العَجَب !
لَا اذّكرُ أنّ لِجارِيَ حِمارٌ ،
أهَل اشتَرى جَديدًا ، أم
فَعَل المَعاصِي ثُمّ خُسِفَ
لَرّبمَا و انقَلبَ ..
فُوجئتُ ببَشرٍ ، لَهُمُ مِن
الآذَانِ أربعٌ ، و لَيسَ لَهُمُ
عَينَين ، تِسعَةُ عشَرةٍ وَ مِن
المُمكِنِ عِشرون ، هُم
لجِنس الوحُوشِ اقرَب ..
نَادُوا بِإسمِي فَفَزِعتُ ، مَا
صَنعتُ ؟ مَا جُرمِي ؟! ثُمّ
اقتَحَمُوا دَارِي ! كَبّلونِي و
قادُونِي الى حَيثِ يُريدُون
كَان فِعلهُم لِعقلِي فُكرَة أنّهم
حَمقَى يُكسِب ..
ادخَلونِي إلى قَاعةِ مَحكَمَة ،
اجلَسونِي عَلى كُرسّيٍ ثُمَّ
غَادَروا ، حَولِي مَقاعِدٌ وَ
طَاوِلات ، يَجلسون فِيها
قُضاة ، كَما أنّني كُنت
مَربُوطًا بالكُرسي لكي
لا اثِب !
بِدون سَابِق انذَار ، بِدون
حَتّى "لَو سَمحت" ، صِحتُ
فيهم مَا ذَنبِي ؟ صَوَتِي مِن
فَمِي خَرَج ارتَطمَ بالجِدارِ
ثُم لأذنِي قَد ذَهِب ..
صَمتُهم كَان جَوابًا ، وَ
الصَمتُ فِي بَعضِ الأحيانِ
كَما يَقُولون عَنه فِي الأمثَالِ
أنّهُ لـ "المُصران" يُتعِب ..
بَدأوا بِاستِجوابِي .. سَألونِي
لِمَ تَكتِبُ فِي الحُبّ ؟ مَن هِي
حَبيبَتُك ؟ مِن أين هِي ؟ و وَاصَلوا
الاستجوابَ حتّى سألُونِي
أتدخُلُ الحَمّام صَباحًا أم
مساءًا ؟ -مَع ذِكر السَبب- !!
كُنت لا استَوعِب مَا يُقال ،
واصلوا سُؤالِي ، أهلّ تُحدّثُ
فُلانًا ؟ هَل بينَكُما عِلاقَةُ حُبّ ؟
مَا تَصنَعُ فِي خَلوتِك ؟ هَل مَع
ربّك اقترفتَ يومًا ذَنب ؟ -!!-
هَمّت كَلِمَاتِي بالنُطقِ رَدًّا ،
قَبل أن افتَح فَمِي ، قَبل أن
اتَنَهّد ، قَبلَ أن أقُول لَهُم حرفًا
قَالوا إنّني اكذُب !
-لِم السؤال اذًا ؟!!- قُلتُ
يَا قَوم مَن أنتم ؟ لِم تسألونِي
عمّا لا شَأن لَكمُ فِيه ؟ لِم أنَا
عِندكُم حَتّى عَلى دُخولِ دَورَةِ
المِياهِ مُحاسَب ؟؟!
قَالوا ألم تَعرِفنا ؟! نَحن "النَاس"
تَابَعتُ يَا بَاحَة المَحكَمةِ
إنّ لِي عِندَكِ مَع هؤلاءِ
القُضاةِ فِي استِجوابِهم طَلب ..
قَالوا مَا هُو ؟ قُلتُ لا تَقلقُوا
لَن اطَلِبَ مَنكمُ جَمع مَهرًا
لِي للزَواجِ لأنّني اعزَب ..
كُل مَا اُريدُهُ كَفّ السِنَتِكُم
عَنّي ، عَنّ قَضايَا النَاسِ
عَنّ المستُورِ مِن رَبّ العِباد ،
فُكّوا قُيودِي ، اعمُوا عُيونَكُم
الثَمانِية عَشر ، اقطَعُوا اذنَين
و ابقَوا بهَيئةِ البَشَرِ الذِين
خَلقَهُمُ الرَبّ !
لَا تُفَتّشُوا كَثيرًا ، لَا تَقتَحِموا
دارًا لِتعرِفوا كَم نمَلةً فِيه ! وَ
لَا تُعيبُوا و أنتّم تَحمِلونَ ذَات
العَيب ، فمَا أحلَى أنّ يَتسامَى
الخُلق و مَا أجمَل أن يُهذّب ..
خَرجتُ بَعدَها مِن مَحكَمتِهم ،
مَسحتُ مَا كُتِب عِند بَابِها ،
لَيست "مَحكَمَة الحَقيقَة" بَل
"حُثَالَةُ المُجتَمع" .. فإن بُليتُم
بُهُم تَسّلحَوا بالدِعاء ، و إنَّ
كَلامَهُم لَيس عَليه عَتب !