الجمعة، 13 أكتوبر 2017

سَيسَبان و العشرون غُصنًا

 


• ( سَيسَبان و العشرون غُصنًا


-1- 


- "سيسبان..سيسبان، أين أنت عزيزي !". 

- "أنا هنا أمي..". 

- "ما تفعل عندك ؟ اترك كل شيء و هلم لمساعدتي في طهو الطعام، ستزورنا خالتك اليوم". 

- "ماذا ؟! عليّ أن انظف غرفة المعيشة إذًا؛ فـ(جوان) -الكلب- يعتبرها دار خلاء له ! سأكون عندكِ بعد لحظات.."


سيسبان، شاب في الخامسة عشر من عمره، يقطن مع والدته في أحد المنازل الواقعة بالأرياف المبتعدة عن المدن مسافة بسيطة، منزلهما البسيط -المتداعي- يدل على حالتهما المادية البسيطة، وإذا ما صحنا القول فهو منزل تسكنه العناكب في بهوه و يرتاد إليه النمل ليلًا بحثًا عن الطعام، و يزين هذا البيت مظهره الخارجي؛ فاللون البني سائد على كل فروعه وأشجار الصنوبر تكسو نوافذه، و مما قد يحير مهندسي العصر أن له بابان وقبو ! -يكاد أن يتهدم بمن فيه- تلك هي ضريبة الفقر، لا تنيمك منام السادة و لا تشربك كأس الملوك.

إنه وقت العمل، وعلى هذا الفتى أن يباشر عمله؛ فلسعة (ديداتو) لا ترحم أبدًا، و لا تزيل الأعشاب حمرتها، وأي لسعة تلك التي يزرق البنفسج منها ولا يلقى ابن سيناء مخفف لمخلفاتها ؟ "تلك العصا كفيلة بأن تقطع رأس أحدنا إن ما تأخر" هذا ما يقوله سيسبان في وصف تلك العصا؛ فهو يذهب متوترًا يسابق الريح و يتحدى الفهود، يركض كأنه مجرم فر من قبضة العدالة غير آبه بحرارة الجو أو برودته، شدة المطر أو حدته متجهًا إلى ما هو أعظم فتكًا من الغاب، تمامًا حيث مصنع التبغ ذاك ولكن لا مفر فالمرض يحتضن بيته الضعيف و يقبل رأس أمه في كل صباح


و بين زقزقة العصافير يصل إلى العمل بتلك الملابس البالية و رائحة الفاكهة المتعفنة تفوح من إبطيه ، كيف لا و عليه الوصول قبل شروق الشمس و لا يتركه إلا مع نزولها، معظم يومه لعمله و بعضه لبيته و الأم العجوز، سيسبان مقتنع بذلك رغم قسوة هذا العمل؛ هو يطمح في الأجر ويرى التعب وقودا لمكينات صنع الأموال

- "ها قد وصلت أخيرًا!"

- "توقف..أين بطاقة العمل؟" -قالها بصوت يقطع هدوء الصباح-.

- "ها هي ذا..". 

- "حسنًا، أدخل..". 


دخل سيسبان إلى عالمه الثاني، العالم المليء بالمتاعب والصعاب وعليه أن يتخطى كل الحواجز لينجز يومًا شاق من العمل ويحصل على أجرته اليومية. يتخطى الزهور الجانبية ويطرق برجليه على سكنة الأرض متوجهًا إلى المعمل (معمل سانس للتبغ)، "حسنًا لن تراني أيها الشرطي إلا حين تسلمني أجرتي" -هكذا قالها سيسبان في طريقه للمعمل- و أما الآن فيرفع قبعته..ينزع رداءه..يغمض عينيه..يأخذ نفس عميق، ثم يدخل إلى المعمل.


- "هل حضر ديداتو؟". 

- "أهلًا سيسبان، كيف حالك اليوم؟ لا لم يحضر بعد، دائمًا ما تصل قبله عزيزي..".

- "يبدو أن داء يعتريه اليوم-ليت ذلك يحصل!-".


 لا أحد يحب ديداتو هذا، فهو مالك هذا المنصع وهو الآمر الناهي هنا، و من من هؤلاء يتمكن من أن ينطق إن ما استل ذالك السيف من غمده، ولوح للجميع بالسكوت والطاعة؟!


- "ديداتو رمز القوة والدكتاتورية في هذا المصنع ونحن لسنا إلا آلات تجلب له ولزوجته القبيحة الأموال في كل يوم". 

- "زين..كيف حالك؟ ما بالك لم تحضر في اليومين المنصرمين؟".

- "كنت مريضًا، لكن ذلك لن يصلح عذرًا لهذا الجشع، إياك أن تغيب يومًا سيسبان حتى و إن احتضنك الفراش؛ أمك تحتاج لما تحصل عليه من أجر صديقي".


هز سيسبان رأسه و ابتسم تلك البسمة المختزنة آلام و تعب لشاب حمّله الفقر حمل الرجل الكهل، هذا ما تصرخه الأنفس العاملة تحت رداء هذا الرجل، هم من يصنعون وذاك من يحصد.

وبين فوضى العاملين وارتفاع اصوات الضحك، فتح الباب رجل ضخم، يرتدي ملابس فاخرة بلون العظمة، وله من السلاسل ما يكفي لشنقه تطوق رقبته السمينة وفي يديه طاقم من الخواتم الذهبية والفضية -تلك الاصابع التي تفوح منها رائحة اللحم المشوي- و في احداها عصا الثراء والرقي..رفع عينيه الجاحظتين و رمق العمال بغضب، ثم هّز الأرض بعصاته فخرس العاملون وخيم السكوت على المكان، ثم تنهد بصوت عال يسمعه جلهم وقال: إلى العمل..هيا.

هرع الجميع مسرعين إلى أعمالهم، وتوجه هذا الرجل إلى مكتبه الخاص حيث يحضر له خدمه وجبة الإفطار.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق